12
Sep,2009
مَا حَصَل لي أظنه من الأمور غير المتوقعة بالنسبة لي بل والمستبعدة عن تفكيري كل البُعد ، فلم أكن أتخيل حدوث أية نوع من الحديث السياسي المغُلّف بالتغليفية الدينية الأنيقة مع أحد رجال الدين اليهودي الذي يطلق عليه باللغة العبرية لفظة ( راباي ) ، حواراً تمّ لم يكن أبداً من ضمن أحلامي أو طموحاتي بل والأصح لم يدخل في دائرة الحُسبان عندي !!!
لكنَّه حدث ، بقدرة قادر ، حَدَث وأصبح واقعاً أستطيع أن أدرجه ضمن أهم ما حدث لي عام 2009 !!
وحتى نكون أكثر وضوحاً لم أكن أتوقع كفلسطينية ما زالت تُعاني وتُقاسي آلام الغربة المريرة أن أزور ( معبداً يهودياً ) وأقابل أهله وأحادثهم لكن أخذي لمادة تُدعى ( بناء الشركة الإبراهيمية ) تطلبت مني ذلك حيث كان علينا كطلاب زيارة المسجد والمعبد والكنيسة كل واحدٍ على حده حتى نرى بأم أعيُننا شعائر هذه الأديان السماوية الثلاثة دون تفرقة ، ونتعرف على الكيفية الحقيقية التي تُمارس بها هذه الشعائر المقدسة من معتنقيها شعيرة تلو شعيرة ، لأن الأفكار والأقوال والنَّظريات يجب ألا تبقى هكذا بل لابد أن تتحول إلى أفعال وممارسات معاشة حتى يُقْتَنَعَ بها وتُؤتي ثمارها ولو بعد حين ، وكوني بالذات في ذلك (المعبد اليهودي ) والذي يُعد غاية في الفخامة والكِبر والتطّور التكنولوجي اللافت للإنتباه ، ما زال أمرا لم يخطر على بالي البتّة وأن أكون من ضمن المصُلين هُناك أستمع بإنصاتٍ إلى رجال الدين الذين يقفون على المنصة الواسعة والذين يُرتلون بدورهم ( التواره ) ذلك الكتاب السَّماوي المقدس بلغتهم العبرية القديمة القريبة جداً من اللغة العربية ، ويَدْعون أدعيتهم الدينية التي تخص بني إسرائيل وحدهم يلبسون أثناءها لباساً خالصاً من الكتّان الأبيض المائل إلى الصفار قليلاً والمقلم باللون الأسود عند الحواشي يُغطون رؤوسهم فيه. أظنني كنتُ أرى كلَّ هذه الأمور فقط في البرامج التثقيفية العالمية .
أنْصَتُّ معهم وهم يُؤدون تلك الطُّقوس الدينية الطويلة والمتعددة باحترام ظاهر ، أطفالهم الذين يبلغون العاشرة من العُمر يحملون التوراة المزركشة بالألوان الزاهية وَيَدُورُون بها بخطواتٍ سريعة على الحضور الذين بدورهم يُحاولون لمسها ولو بسرعة خاطفة ومن ثم تقبيل الأصابع التي لمست ذلك الكتاب المقدس ، وقد أجدهم أثناء تلك الصَّلوات والأدعية يُحركون رُؤوسهم وأجسادهم بحركات مُتقنة وحتّى أثناء ذكر أسم ( الرب ) يقف كل الجالسون تقديراً واحتراماً ثم يُعاودُون الجلوس على المقاعد الوثيرة مرة أخرى .
ويستمرون على هذه الحالة إلى أن تنتهي الصلوات والأدعية الخاصة بهم والتي استغرقت ثلاث ساعات تقريباً .
مازلتُ أقول وأكرر وأُعيد أن هذه الأحداث التي حصلت لم أكن أتخيلها أن تصبح جزءً من رحلتي الحياتية أو أن تتحول إلى ذكريات ملونة سأتذكرها مع أحفادي وحتماً سأناقشها مع مَنْ يَهمُه الأمر!!
ولن أنسى أيضاً تلك المعلومة التي تعلمتها أثناء دراستي لمادة بناء الشركة الإبراهيمية وهي أن الدين اليهودي لا يهمه الإعتقاد ، وليس من الضروري لمعتنقيه الإيمان به كدين سماوي وإنما ما هو مهم عندهم هو ذلك السلوك والطقوس الدينية التي تؤدي بحذافيرها منذ آلاف السنين ، والتي بدورها تورّث من جيل إلى جيل بعكس ما يحدث عند الدين المسيحي والدين الإسلامي اللذان يحرصان كلَّ الحرص على الإعتقاد والإيمان أولاً حتى تؤدي ما عليك من الواجبات الدينية ثانياً .
والمهم في هذا الموضوع هو ما حدث بعد الصلاة في ذلك المعبد الفخم المريح حيث انتقلنا بعدها إلى قاعة مغلقة تعد صغيرة إلى حد ما مع ( الراباي ) رجل الدين اليهودي لنقاش ما دار أثناء الصلاة أو طرح الأسئلة الإستفسارية إذا رغبنا في ذلك ، فهذا ( الراباي ) بالذات عرف عنه أنّه لديه من العقل المتفتح والقلب الكبير الذي يسع الجميع !! هكذا أخبرتُ ..
لذا تشجعتُ ورفعتُ يدي اليمنى بكل أدب واحترام شكرته في البداية على استضافتنا وعلى تلك الطقوس الدينية المتقنة اتقاناً بارعاً وذلك النظام المتُبع ، ثم بدأت بطرح سُوالي الذي أردتُ من خلاله بناء جسور حيَّة جديدة من السلام والتوافق والوئام فنحن كزائرين ودارسين يعنيهم هذه الأمور كثيراً كثيراً …
سألته ونسيتُ المثل القائل ( لا يجوز للثعلب الحكيم أن يكون قاضياً في محاكمة البط )
فأنا الفلسطينية الوحيدة في تلك القاعة المغلقة والتي تحمل همّ شعبها أينما حلّت مأساتهم مازالت تحيا معنا ليلاً ونهاراً ومازالت قابعة بين ظهرينا ، لذلك لابد لي أن أسأل مهما يكن لابد لي أن أسأل وعليّ أن أتحمل تبعية سؤالي هذا ، وأظنني أيضاً أردتُ بشكل لا شعوري غير مقصود اختباره وهل ما عُرف عنه حقيقة واقعة أم أنّه وهمُ كغيره من الأوهام ؟
سألته ووجهت له سؤالي بثقة وأدب متلازمين هل في إمكان حضرتكم أثناء الدعاء والصلاة في معبدكم الموقر لدولة إسرائيل بالبقاء والخلود الدعاء في نفس الوقت لدولة فلسطينية مستقبلية تحيا وتنعم بجانب دولتكم الإسرائيلية على تلك الأرض الخصبة الطاهرة المقدسة في نظرنا جميعاً ، ولماذا لا يكون معبدكم قدوة يُقتدى بها في المعابد اليهودية الأخرى بل وحتى في المساجد والكنائس المجاورة ؟ وبذلك قد تسهمون إلى حد كبير في فتح تلك الأبواب المغلقة وتمنحون لهذه العقول المتحجرة الرافضة لمبدأ ( إقامة دولتين ) فرصة لإعادة التفكير مرة ثانية وعاشرة وبالتالي نحن كشعوب سننعم بحلول جديدة وأفكار متطورة ومواقف ستتغير اظنها مع الوقت ستكون للأفضل !!
عندها توقفتُ عن الكلام المباح أحسستُ معها أن نظراته كانت تلاحق كل كلمة من كلماتي وتطلب المزيد .
بعدها نظر إلىّ نظرة ثاقبة لا تتعدى الثانية من تحت نظارته الصغيرة وأطلق معها إجابته الفورية الحادة والرافضة لهذا الاقتراح السابق بقوله ( I disagree ) ووضح رفضه بمثال لم يقبله عقلي فالدولة الفلسطينية المستقبلية كانت عنده بمثابة المرضى الغرباء الذين في المستشفى والدولة الإسرائيلية عنده بمثابة ذلك الرجل المريض والقريب له جداً جداً و ( الراباي ) الذاهب لزيارة قريبة المريض سيركز على هذا المريض يساعده ويقف بجانبه أما عن باقي المرضى فهم مرضى ليسوا من دمه لا يُهمُه أمرهم وإذا حدث وتذكرهم فسوف فقط يُصلي لهم ويدعو لهم ليس إلا !!!
لا أعلم لماذا تذكرتُ عندها تلك الأغنية الشامية الشعبية وهي تقول : أنا الطّير الأخضر / بمشي وبتمختر / أمي دبحتني / وأبي أكل لحمي / وأختي الحنونة تلم عظامي وتبكي .
فاجابته بكل تأكيد كانت صفعة قوية لفّتْ معها رأسي بحركة دائرية غير مرئية أمسكتُ معها دموعي التي كادت أن تسيل بغرازة منقطعة النظير ، لكن الله ستر !!
تماسكتُ قدر المستطاع أسمعه وأهزُّ رأسي وأسناني تضغط على بعضها ضغطاً قوياً ، أحسستُ في لحظتها أنني لا أساوي شيئاً وأن حلم شعبي وشعبه في الحياة المستقرة حلم بعيد بعيد المنال ، وياخوفي أن تأتي بعدها المأساة تلو المأساة.
ما أصعبه من استقبال عندما نكون ضيوفاً غرباء على المكان وحتى على الزمان !!
ألا يعلم هذا الرجل المتدين بدين موسى وهارون أن كلنا أفراد ساقطين تحت سيطرة ذعر مرير ورهبة لا حدود لها بأن كل شيء مصيره إلى الزوال .
فالذي أومن به كإنسانة أن أي شخص يذهب لزيارة أخيه المريض لا يضُّره الأمر إذا وقف بجانب جار أخيه المريض أيضاً يُساعده إذا طلب منه المساعدة ، فالدعاء والصلاة تأتي في المرحلة الثانية بعد المساعدة والمواساة والتي ستكون حتماً على قدر المستطاع .
ورأيي هذا كان هو نفس رأي معظم زملائي الأعزاء في الصف .
الذين أحسستُ مدى تأثرهم لما حدث فواسُوني بكلام لطيف كل فرد منهم على حدة تبين لي من خلال ذلك أن ليس لديهم القدرة أو الجراءة الكافية لمناقشته فيما يقول أو إعطاء رأياً مضاداً لرأي هذا ( الراباي ) !!!
والأمر الذي أثلج صدري ولم أتوقعه أيضاً هو وجود ذلك الشَّاب اليهودي الوسيم الذي لم يتعد الخامسة والعشرين من العمر ينتظرني عند بوابة الخروج ، ابتسم لي أولاً وحياني ثانيا وتقرّب مني ثالثاً أمام زملائي وقال بصوت ملائكي حنون :
(( لا تحزني أعلم أن أجابته كانت بالنسبة لنا جميعاً بمثابة الصّدمة غير المتوقعة ، فأدبك وذوقك اللامتناهي معه تحتم عليه وتجبره على الإجابة بطريقة أفضل من ذلك !! لكن لا يُهمك أنا معك مئة بالمئة وأتأسف شخصياً على كل ما حدث وشكرا على قُدومك عندنا ))
انتهى من كلامه وحياني وذهب ، أصابني ذهول غير طبيعي ، لقد رفضتُ مقاطعتك في الكلام إذاً لو سمحت استمر في حديثك الشيق استمر فكلي آذان صاغية لك وحدك ، أردتُ بعدها أن أقفز وأقفز فرحا لألمس عنان السماء ، أيقنت عندها أنّه مازال هناك الشعاع النّوري الخافت الذي سيظهر بيننا بوضوح أكثر أظنّه عما قريب قادم لا محالة وأن أحفادي وأحفاد أحفادي سينعمون بهذا الشيء العظيم الذي كُنّا نسميه نحن السًّلام !!
في الجلسة الختامية لهذه المادة أخبرتُ زملائي بما حدث لي ، فكانت ردة فعلهم مُشابهةُ إلى حدّ كبير بردة فعل ذلك الشاب الوسيم فسلوكه وسلوك زملائي جعلني أجزم وأوكد أن حقيقة الإختلاف في العقائد والأصول والتي نحياها في هذه الحياة والتي تلازمنا أينما ذهبنا وحللنا لا تعني أبداً ذلك التنابذ وتلك الفرقة والرفض للآخر ، وأنما تعني لي ذلك التقارب والرغبة الجامحة في تحقيق النموذج المثالي المتجانس الذي سيكون ملك احفادي بل أحفادنا جميعاً .
This entry was posted
on Saturday, September 12th, 2009 at 8:00 pm and is filed under Arabic Blog.
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed.
You can leave a response, or trackback from your own site.
nimat
V nice but i know his reply from the begining.........he is g man.. since saydna mohammad tl now ...God help usSeptember 13th, 2009 @ 12:41 pm
Lulwa aburamadan
Thanks dear, when i was in the Synagogue i noted the Rabbi's excellent hospitallity and heard about his good reputation in the area that encoureged me alot to ask any question i wanted, at the same time i had this feeling that the answer will be negative but any way i had to ask and let them know that WE ARE HERE , we are seeking to live in a PEACE and reconcilition to raise our kids in a loving atmosphere...........September 14th, 2009 @ 5:01 pm
Lulwaa Alsarraj
عزيزتي لولوة حقا انها جميلة وهي أكثر من رائعة ...وهذا الكلام يدل على النفسية المريضة التي يحملها لنا "اليهود"ايضا ... نحن هنا في فلسطين نعاني من الغربة وهذا جدا مؤسف.. نحن في بادنا ووطننا بحاجة لاقامة بالرغم من اننا غي بلدنا نحن الفلسطينيون اصبحنا مرفوضين في كل بؤرة في العالم :(((December 6th, 2009 @ 3:34 pm
mahasen mustafa aburamadan
u did the right thing with this rabai ya lulwa..GOD bless your heart habeebti ..December 6th, 2009 @ 4:02 pm
Lulwa Aburamadan
إن شاء الله تعالى. السلام سيأتي يا لولو ياحبيبتي, فقط لانملك الا الصبر والعمل على اثبات الوجود كما فعلتُ,وشكراً لمحاسن كذلكDecember 8th, 2009 @ 4:39 am